محمد بن جرير الطبري
21
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
على جد قادرين في أنفسهم . وقال آخرون : بل معنى ذلك : وغدوا على أمرهم قد أجمعوا عليه بينهم ، واستسروه ، وأسروه في أنفسهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن إبراهيم بن المهاجر ، عن مجاهد غَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ قال : كان حرث لأبيهم ، وكانوا إخوة ، فقالوا : لا نطعم مسكينا منه حتى نعلم ما يخرج منه وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ على أمر قد أسسوه بينهم . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ووقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله عَلى حَرْدٍ قال : على أمر مجمع . حدثنا هناد ، قال : ثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن عكرمة وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ قال : على أمر مجمع . وقال آخرون : بل معنى ذلك : وغدوا على فاقة وحاجة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، قال : قال الحسن ، في قوله : وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ قال : على فاقة . وقال آخرون : بل معنى ذلك : على حنق . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ قال : على حنق ، وكأن سفيان ذهب في تأويله هذا إلى مثل قول الأشهب بن رميلة : أسود شرى لاقت أسود خفية * تساقوا على حرد ماء الأساود يعني : على غضب . وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يتأول ذلك : وغدوا على منع . ويوجهه إلى أنه من قولهم : حاردت السنة إذا لم يكن فيها مطر ، وحاردت الناقة إذا لم يكن لها لبن ، كما قال الشاعر : فإذا ما حاردت أو بكأت * فذز عن حاجب أخرى طينها وهذا قول لا نعلم له قائلا من متقدمي العلم قاله وإن كان له وجه ، فإذا كان ذلك كذلك ، وكان غير جائز عندنا أن يتعدى ما أجمعت عليه الحجة ، فماصح من الأقوال في ذلك إلا أحد الأقوال التي ذكرناها عن أهل العلم . وإذا كان ذلك كذلك ، وكان المعروف من معنى الحرد في كلام العرب القصد من قولهم : قد حرد فلان حرد فلان : إذا قصد قصده ؛ ومنه قول الراجز : وجاء سيل كان من أمر الله * يحرد حرد الجنة المغلة يعني : يقصد قصدها ، صح أن الذي هو أولى بتأويل الآية قول من قال : معنى قوله وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ وغدوا على أمر قد قصدوه واعتمدوه ، واستسروه بينهم ، قادرين عليه في أنفسهم . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا . . . أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ يقول تعالى ذكره : فلما صار هؤلاء القوم إلى جنتهم ، ورأوها محترقا حرثها ، أنكروها وشكوا فيها ، هل هي جنتهم أم لا ؟ فقال بعضهم لأصحابه ظنا منه أنهم قد أغفلوا طريق جنتهم ، وأن التي رأوا غيرها : إنا أيها القوم لضالون طريق جنتنا ، فقال من علم أنها جنتهم ، وأنهم لم يخطئوا الطريق : بل نحن أيها القوم محرومون ، حرمنا منفعة جنتنا بذهاب حرثها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ أي ضللنا الطريق ، بل نحن محرومون ، بل جوزينا فحرمنا . حدثنا ابن